الشيخ محمد رشيد رضا
316
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الجحود والعناد بعد مجيء الآيات وهو ما بينه تعالى بقوله وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ الدالة على صدقهم فيما جاؤهم به وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا أي وما كان من شأنهم ولا مقتضى استعدادهم أن يؤمنوا لأنهم مرنوا على الكفر واطمأنوا به ، وصارت لذاتهم ومصالحهم القومية من الجاه والرياسة والسياسة مقترنة بأعماله الاجرامية من ظلم وفسق وفجور كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ تذييل لانذار مشركي مكة لأنهم كانوا مجرمين وتقديره كالذي مر قبله في المسرفين ، وراجع تفسير ( 7 : 39 وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) وتفسير ( 83 فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) من سورة الأعراف * * * ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ الخطاب معطوف على الذي قبله أي ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعد أولئك الأقوام كلهم بما آتيناكم في هذا الدين من أسباب الملك والحكم وقدرناه لكم باتباعه ، إذ كان الرسول الذي به جاءكم هو خاتم النبيين فلا يوجد بعد أمته أمة أخرى لنبي آخر ، والخلائف جمع خليفة وهو من يخلف غيره في الشيء أي يكون خلفه فيه ، ولقد كان لتلك الأمم دول وحكم في الأرض ، كملك النصارى واليهود والمجوس ، والوثنيين من قبلهم كالفراعنة والهنود ، فاللّه يبشر قوم محمد وأمة محمد بأنها ستخلفهم في الأرض إذا آمنت به واتبعت النور الذي أنزل معه ، كما صرح بذلك في قوله ( 24 : 55 وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) الآية ، وقد علل هذا الاستخلاف عند الاخبار الأول به هنا بقوله لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ أي لنرى ونشاهد أي عمل تعملون في خلافتكم فنجازيكم به بمقتضى سنتنا فيمن قبلكم ، فان هذه الخلافة انما جعلها لكم لإقامة الحق والعدل في الأرض ، وتطهيرها من رجس الشرك والفسق ، لا لمجرد التمتع بلذة الملك ، كما قال في أول آيات الاذن لهم بالقتال ( 22 : 41 الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ) فأعلمهم سبحانه بأن أمر بقاء خلافتهم منوط بأعمالهم ، وانه تعالى يكون ناظرا إلى هذه الاعمال لا يغفل عنهم فيها ، حتى لا يغتروا بما سينالونه ويظنوا انه